أبي الفرج الأصفهاني

511

الأغاني

وحده ويحدّثنا ويضحك . فما راعنا إلَّا موكب أحد الوزيرين : أبي عبيد اللَّه أو يعقوب بن داود . ثم أقبلت المطرّقة [ 1 ] ؛ فقلنا : مالك قاتلك اللَّه ! يهجم علينا هذا وأصحابه ، فيرون الناطف بين أيدينا فيظنّون أنّا كنّا نأكل معك . قال : فو اللَّه ما أحد أولى بالسّتر على أصحابه وتقلَّد البليّة منك يا بن عمّ رسول اللَّه ! فضعه بين يديك . قال : اعزبّ [ 2 ] قبحك اللَّه ! قال : فأنت يا بن أبي ذرّ ، فزبرته [ 3 ] . / قال : فقال : قد علمت أنّه لا يبتلى بهذا إلَّا دعيّ أدعياء عاضّ كذا من أمّه . ثم أخذ الطبق في يده فحمله وتلقّى به الموكب ، فما مرّ به أحد له نباهة إلَّا مازحه ، حتى مضى القوم جميعا . مدح عبد اللَّه بن حسن فأكرمه : وقال هارون حدّثني أبو حذافة السّهميّ قال حدّثنا إسحاق بن نسطاس قال : كان ابن هرمة مشتهرا بالنبيذ ، فأتى عبد اللَّه بن حسن وهو بالسّيالة [ 4 ] ، فأنشده مديحا له . فقام عبد اللَّه إلى غنم كانت له ، فرمى بساجة [ 5 ] عليها فافترقت فرقتين ، فقال : اختر أيّهما شئت - قال : فإمّا أن تكون زادت بواحدة أو نقصت بواحدة على الأخرى . قال : وكانت ثلاثمائة - وكتب له إلى المدينة بدنانير . فقال له : يا ابن هرمة ، انقل عيالك إلينا يكونوا مع عيالنا . فقال : أفعل يا بن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . دعاه صديق وهو يزمع السفر إلى النبيذ فشرب حتى حمل سكران : ثم قدم ابن هرمة المدينة وجهّز عياله لينقلهم إلى عبد اللَّه بن حسن ، واكترى من رجل من مزينة . فبينا هو قد شدّ متاعه وحمله والكريّ [ 6 ] ينتظره أن يتحمّل ، إذ أتاه صديق له ، فقال : أي أبا إسحاق ، عندي واللَّه نبيذ يسقط لحم الوجه . فقال : ويحك ! أما ترانا على مثل هذه الحال ! أعليها يمكن الشراب ! فقال : إنما هي ثلاثة لا تزد عليهنّ شيئا . فمضى معه وهم وقوف ينظرون [ 7 ] ؛ فلم يزل يشرب حتى مضى من الليل صدر صالح ؛ ثم أتي به وهو سكران ، فطرح في شقّ المحمل وعادلته [ 8 ] امرأته ومضوا . « لامته امرأته على ذلك فأجابها بشعر » : فلمّا أسحروا رفع رأسه فقال : أين أنا ؟ فأقبلت عليه امرأته تلومه وتعذله ، وقالت : قد أفسد عليك هذا النبيذ دينك ودنياك ، فلو تعلَّلت عنه [ 9 ] بهذه الألبان ! فرفع رأسه إليها وقال :

--> [ 1 ] لعله يريد بهم الذين يتقدّمون الموكب يفسحون له الطريق . [ 2 ] أي اذهب وابعد . [ 3 ] زبره هنا : نهره وأغلظ له في القول . [ 4 ] السيالة كسحابة : موضع بقرب المدينة على مرحلة . [ 5 ] الساجة : ضرب من الملاحف منسوجة ، أو هي واحدة الساج وهو خشب يجلب من الهند . [ 6 ] الكريّ كغنى : المكاري . [ 7 ] فيء ، ط ، م : « ينتظرون » ، وهما بمعنى واحد . [ 8 ] عادلته أي كانت معه في الشق الآخر من المحمل . [ 9 ] كذا فيء ، ط . وفي سائر النسخ : « عليه » ، وهو تحريف .